السيد نعمة الله الجزائري
53
عقود المرجان في تفسير القرآن
« وَكَذلِكَ نُرِي » ؛ أي : مثل ما وصفناه من قصّة إبراهيم وقوله لأبيه ما قال نريه « مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ؛ أي : القدرة التي تقوى بها دلالته على توحيد اللّه . وقيل : معناه : كما أريناك - يا محمّد - أريناه آياتنا وآثار قدرتنا فيما خلقنا من العلويّات والسفليّات ليستدلّ بها . وقال أبو جعفر عليه السّلام : كشف اللّه عن الأرضين حتّى رآهنّ وما تحتهنّ ، وعن السماوات حتّى رآهنّ وما فيهنّ من الملائكة وحملة العرش . كذا قاله الطبرسيّ . « 1 » وعن أبي محمّد العسكريّ عليه السّلام قال : إنّ الخليل عليه السّلام لمّا رفع في الملكوت ، قوي بصره حتّى أبصر الأرض ومن عليها . فرأى رجلا وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك . فهلكا . ثمّ رأى آخرين فهمّ بالدعاء عليهما بالهلاك ، فأوحي إليه : يا إبراهيم ، اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي . فإنّي أنا الغفور الرحيم الجبّار الحليم . لا تضرّني ذنوب عبادي ، كما لا تنفعني طاعتهم . ولست أسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك . فاكفف دعوتك عن عبادي . فإنّما أنت عبد نذير لا شريك في المملكة ولا مهيمن عليّ ولا على عبادي . وعبادي بين خلال ثلاث : إمّا تابوا إليّ فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم . وإمّا كففت عذابي لعلمي بأنّه سيخرج من أصلابهم ذرّيّات مؤمنون ، فإذا خرجوا منهم ، حقّ عليهم عذابي . وإن لم يكن هذا ولا هذا ، فإنّ الذي أعددته لهم من عذابي أعظم ممّا تريدهم به . فإنّ عذابي لعبادي على حسب جلالي يا إبراهيم . فخلّ بيني وبين عبادي . فإنّي أرحم بهم منك - الحديث . « 2 » وبالجملة فالّذي يستفاد من الأخبار : انّ اللّه سبحانه قوّى بصر إبراهيم حتّى نظر إلى السماوات وما فوقها والأرض وما تحتها بنظر العين . وليس المراد كما قيل بأنّ اللّه نوّر قلبه ووسّع علمه حتّى أحاط بها إحاطة علميّة ، لعدم الحاجة إلى هذا التأويل . وفي الأحاديث أنّ هذه الحالة قد أتاها اللّه مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام . فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا عرج إلى السماء كشف لأمير المؤمنين فرأى عجائب ما رأى فأخبر النبيّ عند هبوطه . « 3 » وكذلك الأئمّة عليهم السّلام حيث
--> ( 1 ) - مجمع البيان 4 / 498 . ( 2 ) - بحار الأنوار 9 / 279 . ( 3 ) - كنز الدقائق 4 / 363 - 370 .